سيد محمد طنطاوي

176

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أولها : أنه فيه * ( هُدىً ) * أي : فيه هداية للناس إلى الحق الذي متى اتبعوه سعدوا في دنياهم وآخرتهم . وثانيها : أنه فيه * ( نُورٌ ) * أي : ضياء يكشف لهم ما التبس عليهم من أمور دينية ودنيوية . وثالثها : كونه * ( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ ) * أي أن الإنجيل مؤيد ومقرر لما جاءت به التوراة من أحكام وآداب وشرائع أنزلها اللَّه فيها . ورابعها : كونه : * ( هُدىً ) * أي : هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه . وخامسها : كونه : * ( مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) * أي : تذكير لهم بما يرق له القلب ، وتصفو به النفس ، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات . وقوله * ( فِيه هُدىً ) * جملة مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر . وقوله * ( ونُورٌ ) * معطوف على قوله * ( هُدىً ) * والجملة كلها في موضع نصب على أنها حال من الإنجيل . أي : أعطينا عيسى الإنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور . وقوله : * ( ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ ) * حال أيضا من الإنجيل . ولا تكرار بين * ( مُصَدِّقاً ) * الأولى وبين * ( مُصَدِّقاً ) * الثانية ، لأن الأولى لبيان حال عيسى وأنه جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها ، والثانية لبيان حال الإنجيل وأنه جاء مقررا لما اشتملت عليه التوراة من أحكام أنزلها اللَّه ، وأن من الواجب على بني إسرائيل أن يسيروا على هدى هذه الأحكام إلا ما نسخه الإنجيل منها فعليهم أن يتبعوا أحكام الإنجيل فيها . قال ابن كثير : وقوله : * ( ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ ) * أي : متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل . مما بين لبنى إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه - كما قال - تعالى - إخبارا عن المسيح أنه قال لبنى إسرائيل : ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . ولهذا كان المشهور من قول العلماء : « أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة » « 1 » . وقوله : * ( وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) * معطوف على ما تقدم ومنتظم معه في سلك الحالية . وقال أولا * ( فِيه هُدىً ) * وقال ثانيا * ( هُدىً ) * لزيادة المبالغة في التنويه بشأن الإنجيل ، فهو مشتمل على ما يهدى الناس إلى الحق والخير ، وهو في ذاته هدى ، لأنه منزل من عند اللَّه ، ولأنه بشارة بنبي يرسل من بعد عيسى اسمه أحمد . قال الفخر الرازي : « وأما كونه * ( هُدىً ) * مرة أخرى ، فلأن اشتمال الإنجيل على البشارة

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 64